أحمد بن علي القلقشندي

49

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالقدر الرفيع والمحلّ الأسمى ؛ واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته . والرضا عن آله وصحبه وأنصاره وحزبه وحماته ، المتواصلين في ذات اللَّه وذاته ، القائمين بنصر دينه وقهر عداته . فإنّا كتبناه إليكم - كتب اللَّه لكم سعدا ثابت الأركان ، وعزّا سامي المكان ، ومجدا وثيق البنيان ، وصنعا كريم الأثر والعيان - من حمراء غرناطة - حرسها اللَّه - والثقة باللَّه سبحانه أسبابها وثيقة ، وأنسابها عتيقة ، والتوكَّل عليه لا تلتبس من سالكه طريقه ولا تختلط بالمجاز منه حقيقة ؛ وعندنا من الاعتداد بكم في اللَّه عقود مبرمة ، وآي في كتاب الإخلاص محكمة ؛ ولدينا من السّرور ، بما سنّاه اللَّه لكم من أسباب الظَّهور ، الذي حللَّه معلمه ( 1 ) ، وحججه البالغة مسلَّمة ، ما لا تفي العبارة ببعض حقوقه الملتزمه ؛ وإلى هذا - أيد اللَّه أمركم - فإننا ورد علينا فلان وصل اللَّه كرامته ، وسنّى سلامته ، صادرا عن جهتكم الرفيعة الجانب ، السامية المراقب ، طلق اللسان بالثناء بما خصّكم اللَّه به من فضل الشمائل وكرم المذاهب ، محدّثا عن بحر مكارمكم بالعجائب ، فحضر بين يدينا ملقيا ما شاهده من ازدياد المشاهد ، بتلك الإياله ، واستبشار المعاهد ، بعودة ذلك الملك الرفيع الجلالة ، الشهير الأصاله ؛ ووصل صحبته ما حمّلتم جفنة ( 2 ) من الطعام برسم إعانة هذه البلاد الأندلسيّة ، والإمداد الذي افتتحتم به ديوان أعمالكم السنيّة ، وأعربتم به عمّا لكم في سبيل اللَّه من خالص النّيّة ؛ وأخبر أنّ ذلك إنما هو رشّة من غمام ، وطليعة من جيش لهام ، ووفد من عدد ، وبعض من مدد ، وأنّ عزائمكم في الإعانة والإمداد على أوّلها ، ومكارمكم ينسى الماضي منها بمستقبلها ؛ فأثنينا على قصدكم الذي للَّه أخلصتموه ، وبهذا العمل البرّ خصصتموه ، وقلنا : لا ينكر الفضل على أهله ، وهذا برّ صدر عن محلَّه ؛ فليست إعانة هذه البلاد الجهاديّة ببدع من مكارم جنابكم الرفيع ، ولا شاذّة فيما أسدى على الأيام من حسن الصّنيع ؛ فقد علم الشاهد والغائب ، ولو سكتوا أثنت عليها الحقائب ، ما تقدّم لسلفكم في

--> ( 1 ) المعلمه : المعروفة بعلامة خاصة بها . ( 2 ) الجفنة في الأصل : القطعة . والمراد هنا سفينة أو نحو ذلك ، وهذا المعنى يستقيم مع ما سيأتي .